مغالطة وماذا عن.. حيلة تشتيت ذكية تُعطل التفكير النقدي وتنسف النقاشات

مغالطة وماذا عن.. حيلة تشتيت ذكية تُعطل التفكير النقدي وتنسف النقاشات

هروب مغلّف بالإنصاف: ما هي مغالطة وماذا عن؟

تخيل أنك تواجه زميلاً في فريق العمل قائلاً بكل هدوء: لم تقدم الجزء المطلوب منك في المشروع الجماعي. فيجيبك بثقة حادة: وماذا عن أحمد؟ لقد غاب عن الاجتماع الأول بالكامل ولم يقل له أحد شيئاً!.

ظاهرياً، يبدو كلامه منطقياً ومبرراً. أحمد غاب بالفعل. لكن السؤال هنا: هل إجابة زميلك ردت على المسألة الأصلية؟ مطلقاً.

هذه هي مغالطة وماذا عن؟ أو ما يُعرف عالمياً بـ Whataboutism. إنها تكتيك بلاغي يعتمد على تحويل مجرى النقاش عن القضية المطروحة من خلال الإشارة إلى مشكلة أخرى، أو طرف آخر، أو خطأ مختلف.

مغالطة-وماذا-عن-حيلة-تشتيت-ذكية-تُعطل-التفكير-النقدي-وتنسف-النقاشات

الخطورة الحقيقية في هذا التكتيك تكمن في أنه يرتدي عباءة العدالة. يبدو وكأنه يطالب بالإنصاف والمساواة، لكنه في جوهره محض هروب. بدلاً من مواجهة التساؤل المباشر، يلفت الانتباه نحو خطأ شخص آخر. دعنا نكون صادقين: المقارنة ليست خطأً بحد ذاتها. المقارنات المنهجية تساعدنا في كشف التناقضات وتوضيح الفروق. المشكلة تبدأ حكماً عندما تُستبدل المقارنة بالسؤال الأصلي بدلاً من أن تساعد على إجابته.

عائلة التشتيت: كيف ترتبط بالمغالطات المنطقية الأخرى؟

لا تعمل هذه المغالطة في عزلة عن بقية أدوات التضليل. إنها تتشابك وثيقاً مع ثلاث مغالطات شهيرة في عالم التفكير النقدي:

مغالطة أنت أيضاً (Tu quoque): ترد على النقد باتهام الناقد نفسه بالنفاق أو بممارسة سلوك مشابه، بغرض إسقاط حجته دون مناقشتها.

مغالطة السمكة الحمراء (Red Herring): تشتت انتباه المستمعين عبر إقحام موضوع جانبي لا علاقة له بالقضية المحورية.

التكافؤ الزائف (False Equivalence): تتعامل مع موقفين مختلفين تماماً في السياق والأثر وكأنهما متماثلان تماماً في الوزن.

مغالطة-وماذا-عن-حيلة-تشتيت-ذكية-تُعطل-التفكير-النقدي-وتنسف-النقاشات

السبب بسيط: كل هذه الحيل تشترك في هدف واحد وهو التفادي المباشر (Deflection). الهدف الدائم هو تجنب التفاعل الصريح مع الأدلة أو الأسئلة المطروحة على الطاولة.

لماذا تبدو هذه المغالطة مقنعة للغاية؟

تسأل نفسك أحياناً: لماذا ينطلي هذا الأسلوب بسهولة على أعتى العقول؟

السر يكمن في أن حجة وماذا عن؟ تحمل غالباً نواة من الحقيقة. القضية الثانية التي يقحمها الطرف الآخر قد تكون واقعية تماماً. المقارنة قد تكشف نفاقاً حقيقياً لدى الشخص الموجه للنقد. بل إن الشخص المُنتقد قد يشعر بصدق أنه يُستهدف بمفرده دون بقية المقصرين.

وهنا الفكرة: الحقيقة الفرعية لا تجعل المقارنة ذات صلة منطقية بالموضوع الأصلي!

مغالطة-وماذا-عن-حيلة-تشتيت-ذكية-تُعطل-التفكير-النقدي-وتنسف-النقاشات

قد يكون الطالب محقاً في أن زميله تقاعس عن العمل أيضاً، لكن هذا لا يعفيه إطلاقاً من مسؤولية تقاعسه الشخصي. والكاتب قد يلاحظ بحق وجود تحيز في مصدر صحفي آخر، لكن ذلك لا يمنحه حصانة من إثبات صحة ادعاءاته هو.

المعيار الفارق واضح للغاية: المقارنة النافعة تساعد على توضيح السؤال الأصلي ودراسته. أما مغالطة وماذا عن فتنسف السؤال الأصلي لتستبدله بسؤال آخر تماماً.

تدمير المحاسبة وتغيير السؤال الأصلي

الخطر الأكبر لهذا التكتيك لا يقف عند حد إضاعة الوقت، بل يمتد لتدمير البنية المنطقية للحوار وإيقاف المساءلة.

بدلاً من أن نطرح الأسئلة الحقيقية: هل هذا الادعاء دقيق؟ أو هل هذا التصرف مبرر؟، ينجرف النقاش قسراً نحو سؤال مختلف: هل فعل شخص آخر شيئاً مشابهاً أو أشد سوءاً؟.

والنتيجة؟ يدخل الحوار في حلقة دائرية مفرغة.

تتلاشى المحاسبة كلياً. كل نقد يقابله نقد مضاد، وكل اتهام يُرد عليه باتهام آخر، وتضيع الحقيقة تحت ركام من التشتيت المتواصل. لهذا السبب تحديداً، تعتمد استراتيجيات التدريس الحديثة وحلقات الحوار السقراطي على تدريب الطلاب على تفكيك هذا النمط، ليتعلموا كيف يفرقون بين المقارنة العلمية البناءة وبين التهرب التكتيكي.

كيف تفكك هذه المغالطة في النقاشات الحية؟

عندما تلاحظ محاولة الطرف الآخر سحبك إلى هذا الفخ، لا تنجر وراء الموضوع الجديد. استخدم تكتيكات إعادة الضبط المباشرة بكل ثبات:

مغالطة-وماذا-عن-حيلة-تشتيت-ذكية-تُعطل-التفكير-النقدي-وتنسف-النقاشات

أولاً: أعد الحوار إلى نقطة الانطلاق. قل بوضوح: قد تكون هذه النقطة جديرة بالنقاش لاحقاً، لكن هل تجيب على السؤال الذي بدأنا به الآن؟.

ثانياً: افصل القضايا عن بعضها. استخدم عبارات حازمة: يمكننا فحص الموقف الثاني بعد قليل. دعنا ننهي تقييم هذه النقطة أولاً.

ثالثاً: اسأل عن الصلة المنطقية. استفسر مباشرة: كيف يغير هذا المثال الأخير من مدى صحة الادعاء الذي نناقشه؟.

رابعاً: اعترف بالنقطة دون التنازل عن موقفك. يمكنك القول: قد تكون تلك المشكلة حقيقية بالفعل، لكن وجودها لا يحل المشكلة المطروحة بين أيدينا حالياً.

إتقان السيطرة على مسار النقاش يجرّد هذه المغالطة من تأثيرها. الهدف ليس منع التساؤل عن الحالات المشابهة، بل توجيهه بدقة: ماذا توضح المقارنة فعلياً، وما هو السؤال الذي لا يزال ينتظر إجابة واضحة؟